ابن كثير

485

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

له . ( قلت ) قال : ثم هو منقطع عن عمر . وقد روي الثوري عن أشعث ، عن الشعبي ، عن مسروق ، أن عمر رجع عن ذلك ، وجعل لها مهرها وجعلهما يجتمعان . وقوله : وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ ، توعدهم على ما يقع في ضمائرهم من أمور النساء ، وأرشدهم إلى إضمار الخير دون الشر ، ثم لم يؤيسهم من رحمته ، ولم يقنطهم من عائدته ، فقال وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 236 ] لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ ( 236 ) أباح تبارك وتعالى طلاق المرأة بعد العقد عليها ، وقبل الدخول بها . قال ابن عباس وطاوس وإبراهيم والحسن البصري : المس النكاح ، بل ويجوز أن يطلقها قبل الدخول بها والفرض لها ، إن كانت مفوضة وإن كان في هذا انكسار لقلبها ، ولهذا أمر تعالى بإمتاعها وهو تعويضها عما فاتها بشيء تعطاه من زوجها بحسب حاله ، على الموسع قدره ، وعلى المقتر قدره . وقال سفيان الثوري ، عن إسماعيل بن أمية عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : متعة الطلاق أعلاه الخادم ، ودون ذلك الورق ، ودون ذلك الكسوة . وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : إن كان موسرا متعها بخادم أو نحو ذلك ، وإن كان معسرا أمتعها بثلاثة أثواب . وقال الشعبي : أوسط ذلك درع وخمار وملحفة وجلباب ، قال : وكان شريح يمتع بخمسمائة . وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر عن أيوب بن سيرين ، قال : كان يمتع بالخادم أو بالنفقة أو بالكسوة . قال : ومتع الحسن بن علي بعشرة آلاف ، ويروى أن المرأة قالت : متاع قليل من حبيب مفارق . وذهب أبو حنيفة إلى أنه متى تنازع الزوجان في مقدار المتعة وجب لها عليه نصف مهر مثلها . وقال الشافعي في الجديد : لا يجبر الزوج على قدر معلوم إلا على أقل ما يقع عليه اسم المتعة ، وأحب ذلك إليّ اني أستحسن ثلاثين درهما ، كما روي عن ابن عمر رضي اللّه عنهما . وقد اختلف العلماء أيضا : هل تجب المتعة لكل مطلقة أو إنما تجب المتعة لغير المدخول بها التي لم يفرض لها ، على أقوال : أحدها أنها تجب المتعة لكل مطلقة لعموم قوله تعالى : وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ [ البقرة : 241 ] ولقوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلًا [ الأحزاب : 28 ] وقد كن مفروضا لهن ومدخولا بهن ، وهذا قول سعيد بن جبير وأبي العالية والحسن البصري ، وهو أحد قولي الشافعي ومنهم من جعله الجديد الصحيح ، واللّه أعلم . والقول الثاني أنها تجب للمطلقة إذا طلقت قبل المسيس ، وإن كانت مفروضا لها ، لقوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحاً جَمِيلًا [ الأحزاب : 49 ] قال شعبة وغيره ،